ابن كثير
325
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
بالوالدين والأجداد عطف على ذلك الإحسان إلى الأبناء والأحفاد ، فقال تعالى : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ وذلك أنهم كانوا يقتلون أولادهم كما سولت لهم الشياطين ذلك ، فكانوا يئدون البنات خشية العار ، وربما قتلوا بعض الذكور خشية الافتقار ، ولهذا ورد في الصحيحين من حديث عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه ، أنه سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أي الذنب أعظم ؟ قال « أن تجعل للّه ندا وهو خلقك » قلت : ثم أي ؟ قال « أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك » قلت : ثم أي ؟ قال : « أن تزاني حليلة جارك » ثم تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ [ الفرقان : 68 ] الآية « 1 » . وقوله تعالى : مِنْ إِمْلاقٍ قال ابن عباس وقتادة والسدي وغيره : هو الفقر « 2 » ، أي ولا تقتلوهم من فقركم الحاصل ، وقال في سورة الإسراء وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [ الإسراء : 31 ] أي لا تقتلوهم خوفا من الفقر في الآجل ، ولهذا قال هناك نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ فبدأ برزقهم للاهتمام بهم ، أي لا تخافوا من فقركم بسبب رزقهم فهو على اللّه ، وأما في هذه الآية فلما كان الفقر حاصلا قال نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ لأنه الأهم هاهنا ، واللّه أعلم . وقوله تعالى : وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ كقوله تعالى : قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [ الأعراف : 33 ] وقد تقدم تفسيرها في قوله تعالى : وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ [ الأنعام : 120 ] . وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « لا أحد أغير من اللّه ، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن » « 3 » وقال عبد الملك بن عمير عن ورّاد عن مولاه المغيرة قال : قال سعد بن عبادة لو رأيت مع امرأتي رجلا لضربته بالسيف غير مصفح ، فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « أتعجبون من غيرة سعد ؟ فو اللّه لأنا أغير من سعد ، واللّه أغير مني ، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن » « 4 » أخرجاه ، وقال كامل أبو العلاء عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قيل يا رسول اللّه إنا نغار قال « واللّه إني لأغار واللّه أغير مني ، ومن غيرته نهى عن الفواحش » رواه ابن مردويه ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب
--> ( 1 ) صحيح البخاري ( تفسير سورة 2 باب 3 وأدب باب 20 ) وصحيح مسلم ( إيمان حديث 141 ، 142 ) ( 2 ) تفسير الطبري 5 / 391 . ( 3 ) صحيح البخاري ( توحيد باب 15 و 20 ونكاح باب 107 وتفسير سورة الأنعام باب 7 وتفسير سورة الأعراف باب 1 ) وصحيح مسلم ( توبة حديث 32 - 36 ) ( 4 ) صحيح البخاري ( نكاح باب 107 وحدود باب 40 وتوحيد باب 20 ) وصحيح مسلم ( لعان حديث 16 و 17 )